ظاهرة القراءة: والترقي من التلقي الثقافي إلى بدايات الفعل الحضاري – الجزء الثاني

لنبدأ بالقسم الأول إذن و لننظر إلى ما يميّز القراءة من حيث كونها ظاهرة إنسانية.

كثيرا ما يؤدي بنا الاعتياد على معايشة ظاهرة ما إلى إغفال بعض جوانبها الأساسية و الجوهرية، فيتقلص وعينا بتلك الجوانب أو لا ينبني أصلا، أو نأخذها بشيء من البداهة و السطحية تنسينا ما تحمله تلك الظاهرة من خصوصية تميزها عن باقي الظواهر. من جهة أخرى، يبقى التفكّر ببعض العمق في أي ظاهرة من شأنه أن يكشف لنا عن جوانب جديدة منها، أو يذكرنا بها، فيمكّننا ذلك من بناء وعي جديد تتجلى لنا به سبل جديدة للتقييم والتنمية والإبداع.

هذه “النزعة الإعتيادية” نزعة طبيعية عند الإنسان، راسخة فيه، بل لا يصلح صنف مهم من أي نشاط إنساني إلا بالاستغراق في الاعتياد والمألوف، وهو صنف إجرائي، كما لا يصلح صنف ثاني إلا باختراق العادة والتجرد منها، وهو صنف تحليلي.

هدفنا هنا هو إلقاء نظرة تحليلية على نشاط القراءة بمحاولة البعد عن جانبها الاعتيادي ومظهرها المألوف، لاظهار بعض ميزاتها الجوهرية.

وللتخلص من غشاوة المألوف هذه، أحب دائما أن أقوم بتمرين ذهني أظن أنه يساعد نوعا ما على إزالة شوائب الاعتياد عند محاولة رصد معالم ظاهرة ما. أدعوكم لتطبيق هذا التمرين الذهني معي الآن…

فلنتخيل معا أن هناك مخلوقا عجيبا.. دعنا نقول فضائيا، يصول و يجول هذا الكون، وحدث أن صادف كوكب الأرض، فتوقف لرصد ما يحدث في هذا المكان الغريب… فهو مخلوق كثير الفضول، وكل ما سيرصده من ظواهر على سطح هذا الكوكب سيكون جديدا تماما بالنسبة له، وبالتالي غريبا كذلك – وهذا مغزى التمرين إذ نحاول أن نجبر أنفسنا على التموضع في موضع المستعجب المنسلخ من كل شيء مألوف.

و دعنا نفترض أن لهذا المخلوق الفضائي العجيب قدرات تختلف عن قدراتنا نحن البشر تماما؛ فلنجعل له قدرة خارقة على تتبع ورصد الظواهر من منظور واسع جدا، يمكّنه من تعدي حواجز الحس و حواجز الزمان وحواجز المكان. ماذا كان هذا المخلوق ليلاحظ عند رصد هذه الظاهرة التي نطلق عليها تسمية “القراءة”، و تمعّن فيها وتتبعها عبر الزمان والمكان، الحسي منهما والمعنوي؟

القدرة على الترميز

أول ما يرصد صاحبنا، وجود كائن على سطح هذا الكوكب، الذي هو نحن الإنسان، يقوم من وقت إلى آخر بالتحديق في بعض الرموز التي يجدها مرسومة على جدران كهوف أو صفائح جريد وجلود أو ورق كتب أو شاشات حواسيب، رموز قد تكون من وضع فرد بعينه، فيحدق فيما صنع، أو من وضع فرد آخر من جنسه. كما يلاحظ صاحبنا أن هذه الرموز تتفاوت من حيث درجات التجرد؛ فيرى منها ما يصف المحيط الخارجي بشيء من الدقة، كرسم حيوانات على جدران الكهوف مثلا، ويرى أخرى متزايدة في التجرد تتعدى الشكل المادي الذي تمثله، كأشكال الحروف التي تراها أمامك الآن.

يستنتج صاحبنا الفضائي إذن أن لهذا الكائن الغريب -بالنسبة إليه- قدرة على خلق رموز ووضعها في محيطه، قدرة على الترميز إذن، يبدو وكأنه يعبر بها تعبيرا صوريا يوافق المحيط من جهة، وآخر أكثر تجريدا عنه وتجوازا له.

زاد فضول صاحبا العجيب، فألقى نظرة داخل دماغ ذلك الكائن – فهو كما قلنا، لا تقيده الحواجز الحسية – فلاحظ أنه عندما يشرع إنسان ما في عملية خلق ووضع هذه الرموز أو في عملية تفاعل معها بالتحديق فيها، تُحدث تأثيرا في دماغه بزيادة اتصال وتشابك مكونات دماغه الجزئية [١]، فيتغير وعيه وتفكيره بذلك. عندئذ تأكد صاحبنا الفضائي أن لهذه الرموز قدرة على تجاوز الإشارات الحسية التي تلتقطها نظرات هذا الكائن، يصل بها إلى تأويل معنى يكمن وراء تلك الرموز، فيؤثر فيه فسيولوجيا و إدراكيا في آن واحد.

استخلص صاحبنا إذن أول ميزة اعتبرها أساسية في ظاهرة القراءة، وهي أن القراءة في جوهرها عملية خلق لرموز وتفاعل معها، أن الإنسان كائن قادر على إبداع رموز وعلى إضافتها لمحيطه الخارجي للتعبير الصوري والمجرد عما في ذهنه وعما في محيطه، وأن عملية الترميز تلك لها تأثير مادي ومعنوي، فيسيولوجي وادراكي، على كل فرد ينشغل بتلك العملية ويتفاعل من خلالها…

الترميز كأداة تواصلية تكديسية عبر الزمان والمكان

بعد أن اقتنع المخلوق العجيب بأول ميزة ظاهرية للقراءة، حيث اعتبرها جزءا من عملية ترميز، تؤثر على كل من ينشغل بها سواء كان ذلك بوضع رموز في المحيط الخارجي أو بالتحديق فيها، انتبه إلا أن هذا الكائن الذي يرصده قد انفرد بهذه الخاصية عن باقي الكائنات على هذه الكوكب الغريب. فها هو يبتدع رموزا تتفاوت في درجات التجرد في تصوير ما هو واقع وما هو من الخيال، فينخرط أفراد آخرون من جنسه في التفاعل مع تلك الرموز، ويتفاوتون في انتقاء وتأويل معانيها، لكنهم جميعا يتفاعلون معها ومن خلالها بنفس الأثر الفيزيولوجي والإدراكي.

فانتبه صاحبنا عندئذ إلى ميزة ظاهرية ثانية للقراءة تتبع الأولى لزاما: فبتأثيرها في بنية ومحتوى الذهن، بحيث تعطي  هذا الكائن القدرة على الترميز لما كان ذهنيا وفرديا، فإنها تعطي المحتوى الذهني وجودا خارجيا فيصبح ظاهرا ومنفصلا عن الفرد الذي ابتدعه، وبالتالي يكتسب قدرة على الانتقال من ذهن فرد إلى ذهن آخر، فيحدث ذلك نوعا من التواصل بين الأفراد، وكأن هذه الرموز تلعب دور واسطة قادرة على الربط بين الأذهان.

ثم لاحظ صاحبنا بعد تأمل أن هذا التواصل والترابط يحدث بدون اعتبار زمني أو مكاني، فإذا بالمحتوى المادي والمعنوي لتلك الرموز، من معلومات ومعارف وتعبيرات وتأويلات مختلفة، يورَّث ويكدّس ويتنقل عبر الأجيال وعبر الأقطار.

يستنتج إذن صاحبنا الفضائي ميزة ثانية ظاهرية أساسية لعملية القراءة وهي أنها، كعملية ترميز، أداة لتجميع وتكديس المعلومات والمعارف والتأويلات، وأداة لنقلها جميعا بين المجموعات الإنسانية عبر الزمان والمكان. ولم يلاحظ صاحبنا أي كائن آخر على هذا الكوكب يتفاعل عن طريق عملية الترميز بتلك الرِّفعة و ذلك التركيب، فأعلن منبهرا، أن هذا الترميز يُخرج الإنسان من الإرث الطبيعي الذي يبدو وكأنه يشترك فيه مع باقي الكائنات.

الترميز كاستيعاب لمضمون التاريخ وصبغه بالخصوصية

نواصل تمريننا الذهني الذي اقترحته عليكم، أين نحاول أن نجبر أنفسنا على التموضع في موضع نسمح لأنفسنا فيه بأن نستغرب ونتعجب وننبهر بالجانب المألوف لظاهرة القراءة فنخترقه لنكتشف ونتصور ما يواريه المألوف من ميزات جوهرية للقراءة… نواصل تتبع تأملات صاحبنا المخلوق الفضائي العجيب التي تعكس لنا هذه التصورات.

بجمعها وتكديسها للمعارف والمعلومات ثم نقلها عبر الزمان والمكان، لاحظ صاحبنا أن المجموعات البشرية عادة ما تسعى إلى تحصيل وتأويل معارف مجموعات أخرى. وهو صائب في ذلك طبعا، فمدى التاريخ يحده امتداد التأريخ للرموز؛ فلاحظ مثلا أن أكبر الحضارات عبر التاريخ كانت لها كتابة، وأحد الوسائل الأساسية التي علم من خلالها ما علم عما كان من أحوالها هي القدرة على الوصول إلى نتاجها الرمزي وتفكيك ما كتب أفرادها وما كتب عنهم.

وبهذا، يتعدى الترميز القراءة والكتابة ليشمل نطاق أوسع من النتاج الحضاري الإنساني، من تراث عمارة وفن وطقوس وغيرها، فالترميز أحد السبل الأساسية للفعل التاريخي، يكمّل بعضها بعضا – وما تراثنا الشفوي إلا دليل على تعدد تلك السُبل وتشابكها.

استرسل صاحبنا في التأمل في ميزة ظاهرية أخرى للقراءة بدأت تتجلى له، وكانت أكثر ما شد انتباهه؛ فهذا الترميز له ميزة عجيبة؛ بعبوره المعنوي عبر أذهان أفراد الجنس البشري وانتقاله بين جماعاته، عبر الزمان والمكان، يصطبغ الترميز بخصوصيات الحقبة والمحيط الذي تشكل فيه وبتجارب الأفراد والجماعات التي شكلته، فيعكس هوياتهم ومشاغلهم ونظرتهم التفسيرية للواقع من حولهم.

وقد لمحنا في الجزء الفارط إلى أن انتقال المعلومات من ذهن إلى ذهن ومن جماعة إلى جماعة لا يتم بوحدات متجانسة ثابتة بل يتغير ويتحور بهذا العبور المادي والمعنوي. أما صاحبنا، فاعتبر جوهر التغيير الذي يطرأ على النتاج الرمزي هنا، ذاك التأويل المصطبغ بخصوصية الناقل والمنقول إليه، وجدها مفروضة بمجموعة من العوامل أساسها تجارب خارجية معينة وتأويلات ذهنية داخلية لما كان ولما هو كائن ولما يمكن أن يكون.

وبهذا وصل صاحبنا إلى استنتاج آخر ميزة للظاهرة التي كان بصدد رصدها، وهي أن النتاج الرمزي للمجتمع البشري، بتدوينه للتاريخ، يستوعب مضمون ذلك التاريخ بين ثناياه فيحوله ويحوره ويركبه حسب أنساق مختلفة، متأثرا بإدراك الفرد ومقيدا بسير المجتمع ورؤيته للواقع، وبوجهته في ظرف ومكان معينين؛ وإذا بالرموز تلك تعبّر عن تجارب وخصوصيات فردية وجماعية ضمنيا وصراحة.

ملخص ميزات ظاهرة القراءة

تعلم صاحبنا الفضائي العجيب الكثير إذن عن ظاهرة القراءة وميزاتها الظاهرية الأساسية والجوهرية؛ فقد وجدها تنبع من قدرة على الترميز والتعبير الصوري والمجرد عند الإنسان؛ مؤثرة في حالات الوعي ومحتوى الأذهان وطرق التفكير والادراك، وفي سلوك الأفراد وممارسات الجماعات وتواصلهم بعضهم ببعض؛ كما رآها تلعب دور أداة لجمع المعارف وتكديسها من جهة ولتدوين التاريخ والتعبير عنه من جهة أخرى؛ بل والأعجب من كل ذلك أنه اكتشف أن هذا الترميز، بتأويله للفعل التاريخي وانتقاله عبر الأذهان في مختلف الأزمنة والأماكن، فإنه يعكس رؤى تلك الأذهان لكل زمان ومكان فيصبغ التاريخ بخصوصيات جماعة ما ونظرتهم وتفسيرهم للواقع من حولهم

وإذا حاولنا التأمل في هذه الميزات من جهتنا – فنرجع إذن لنحط رحالنا في عالمنا المألوف – يمكننا أن نلاحظ بدورنا ملاحظتين مهمتين:

أولا، ضرورة وضع القراءة ضمن نشاط وظاهرة أعمّ هي الترميز، وبالتالي ادخال القراءة في تشكيل منظومة أكبر أساسها التعبير الرمزي والذي يشمل العديد من النشاطات الإنسانية ذات الوجود الخارجي والتي لها علاقة بالعالم المعنوي الداخلي، الذهني والمادي، الفردي منها والجماعي.

ثانيا، بإمكاننا تصنيف ميزات منظومة الترميز- والقراءة أحد جوانبها وتشكلاتها – إلى ثلاثة أقسام أساسية:

  1. ميزات فردية، فزيولوجية، ذهنية، إدراكية. 
  2. ميزات تواصلية بين الأفراد والجماعات، تكديسيّة للمعلومات وناقلة لها عبر الزمان والمكان. 
  3. ميزات إستيعابية، لا لتدوين مضمون التاريخ فحسب، بل لصباغته بمميزات وخصوصيات الزمان والمكان الذي تشكل فيه بتضمينه للرؤى الفكرية التفسيرية للأفراد والجماعات التي شكّلته.

هذه إذن بعض ميزات القراءة كظاهرة إنسانية عند استقراءها من منظور يتجواز حدود الحس وحدود الزمان والمكان، وللقارئ أن يسترسل في خيال صاحبنا الفضائي لاستخلاص ميزات أخرى وبدقة أكبر، ولكن نتوقف هنا وننتقل إلى الإشكالية التالية في سلسلتنا: كيف ننتقل عن طريق القراءة، كأحد تشكلات منظومة الترميز، من ذلك التحديق في الرموز إلى الفعل الحضاري المؤثر في التاريخ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Post comment