ثورة الحراك: ثورة السيادة – الجزء الرابع – ماهية القوى المضادة للنهضة وبعث القابلية للانعتاق

بين الركود الأول الكامن والركود الثاني المصمم، يتبين لنا أن الشعوب المستعمرة سابقا المضطهدة آنا أمام تحديات تحول دون تحقيقها لشروط السيادة وشروط الانعتاق الحقيقين وهي تحديات تلخص ماهية القوى المضادة للنهضة -أو قل المضادة للحراك أو المضادة للثورة- تتمظهر على ثلاث مستويات:

  1. القوى المضادة الكامنة الذاتية: أي المستوى الذاتي الكامن الذي تجسده رواسب الركود الأول؛
  2. القوى المضادة الوصائية الدخيلة: أي المستوى الذي تجسده الأنظمة المنتدبة العميلة وأذرعها ونخبها التي تتصدر الواجهات السياسية والثقافية؛
  3. القوى المضادة الخارجية التواقة للهيمنة والسيطرة الدائمة: أي المستوى خارجي الذي تجسده قوى الاستعمار والإمبريالية الاستعبادية الدولية

ومن ثم، فبدايات تحقيق شروط تحقيق السيادة -والتي تتعدى المطالبة بها- تتمثل في مدى قدرة الشعوب وأنظمتها على تحقيق الانعتاق الحقيقي من الرواسب الكامنة التي تثبت القابلية للاستعمار، بنبذ عنفي التربية والسياسة، والانعتاق الحقيقي من قبضة المستعمر على مجالات الوجود الأساسية للفرد والمجموعة، وذلك بنبذ الأنظمة الفاسدة، غم استرجاع السيادة على مجالي المكان و الزمان، وما يليه من سيادة على النتاج المادي والرمزي الثقافي، وذلك بتفكيك آلايت الهيمنة على هذه المجالات وما تنم عليه من تقويض للقدرة على معرفة الذات وخصوصياتها التاريخية من جهة (و هي الهيمنة الإبستمولوجية) وتحديد الهوية وخصوصياتها الحضارية من جهة أخرة (وهي الهيمنة الأنطولوجية).

أما في مستوى الكمون الذاتي فنبذ العنف التربوي ونزع الوصاية التربوية من شأنها أن تحقق هذا الهدف على المدى البعيد، فهو أمر يتطلب وقت كما يقول كانط “إن التحرر لا يكون إلا بالتربية البطيئة التي تجعل الإنسان بذاته يدرك شروط التحرر المعرفية و الخلقية”. وهي مقولة سبقه إليها إبن خلودن الذي شخص دور التربية الخالية من الوصاية في تنمية المعاني الإنسانية السامية. ومن الجميل في حراك الجزائر -بعد إمتداده لأسابيع عدة الان أن نرى تمظهر شعارات جديدة تعزز هذا المعنى . فعلى غرار “يتنحاو ڤع”، ذلك الشعار الذي يعبر عن تهافت في ذاته لغموض عملي ضمني فيه، جاء في محطة تالية شعار “يترباو ڤع” (الكل يجب أن يربى من جديد) ليسم وعي الحراك بعمق تحرري جديد جدير بالاحترام والتعزيز لأن فيه اعتراف بالتحدي الحقيقي الذي يجب مواجهته لنزع رواسب الركود الأول الكامن في مجتمعاتنا.

ثم أن كسر الهيمنة على مجال المكان يستدعي كسر حاجز التجزئة على المستوى المادي وكسر الهيمنة على مجال الزمان يستدعي كسر حاجز التجزئة على مستوى الرمز والفكرة ووصالتها بالمرجعيات والخصوصيات الثقافية والحضارية. وجملة هذه الشروط هي ما يمكن أن نطلق عليه شروط تحقيق “القابلية للانعتاق” في الحس الجماعي للشعوب المستعمرة السابقا المضطهدة آنا. وهنا ينبغي أن نعيد التأمل في المفهوم البنابي للقابلية للاستعمار إذ أن ما ساير تشكل تلك القابلية عند شعوبنا كان صورة منعكسة لها عند شعوب القوى المستعمِرة فكان نصيب تلك الشعوب نمو “قابلية لإستعمار الغير” في حسها الجماعي والتي أسهب إدوارد سعيد كتابة في التعريف بها ضمن مقولاته الفكرية حول الإستشراق، فمن الواجب إذن إرساء أسس تحقيق شروط القابلية للإنعتاق من جهة و كذا إدراك والعمل على التأسيس لصورتها المنعكسة عن شعوب القوى المهينة اليوم .

شروط تحقيق سيادة الشعب إذن هي شروط تحرر مجالات وجوده إبستملوجيا و أنطلوجيا من الناحية الفلسفية وشروط مقوامته للقوى المضادة في مستوياتها الثلاثة؛ الكامنة الذاتية، الدخيلة العميلة، و الخارجية التواقة للهيمنة والسيطرة الدائمة من الناحية العملية. و مما يساعد على ذلك تجواز محلية و إقليمية النضال إلى العالمية فتكون فرصة تاريخية لتثبيت وتعميم أسس القابلية للإنعتاق بين الشعوب المضطهدة و تكريس سبل صورتها المنعكسة -كما كرست الصورة المنعكسة للقابلية للاستعمار سابقا- عند الشعوب الأنظمة المهي . وستكون الشعوب السبّاقة لهذا العمل في صدارة التحول الثوري الحقيقي وقيادة التيار التحرري العالمي الجديد. وهذا نداء لتدويل المقوامة -وليس لتدويل القضية بمعناها الذي يتوهجس منه الحراكيون اليوم، و هم في ذلك على حق.

وجب إذن تحديد ماهية الثورة التي ستحقق السيادة باعتبارها مجموعة شروط تكريس القابلية للانعتاق محليا وإقليميا ودوليا، و هذا ما سيتطرق له الجزء القادم و الأخير من هذه السلسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Post comment