الجائحة المعلوماتية: تأملات في جوانب مظلمة من تكنولوجيا التواصل-الجزء الرابع: عوامل الاستقواء التنظيمية غير المباشرة

انتهينا من سرد بعض العوامل المباشرة التي تستقوي بها الجائحة المعلوماتية، ووصلنا في التحليل إلى أنه باستفحال استخدام منصات التواصل يجد الأفراد أنفسهم أمام تحديين أساسيين: فمن جهة تقع عليهم مسؤولية التحري عن صحة المعلومة بعد تحول موضع تحريرها من مرحلة تنقيح المحتوى بالنسبة لوسائل الإعلام التقليدية، إلى مرحلة الترويج والمشاركة على منصات التواصل. من جهة أخرى، يجد الأفراد بين أيديهم أدوات تواصلية صممت على أسس تعيد صياغة سلوكهم التفاعلي مع المعلومة وسلوكهم التفاعلي بعضهم مع بعض، صياغة تعزز الإدمان على التعاطي السطحي والسريع مع المعلومة، فيتعسر بذلك تحقيق مناط التحري والتعاطي العميق والنقدي مع المعلومة عبر هذه الأدوات التفاعلية.

ومن هنا يمكننا أن نتساءل عن كيفية تحصين الأفراد ضد هذا التعاطي السطحي والسريع مع المعلومة، فنطرح بذلك السؤال الأساسي التالي: كيف ننمي ثقافة علمية وصحية قوية عند الأفراد والجماعات، ثقافة تجهزهم بقدرة على التعاطي الإيجابي مع المعلومة الدقيقة وتفادى الوقوع في شباك المعلومة الزائفة والانجرار خلف الادعاءات الكاذبة وبالتالي التقليل من استفحال الجائحة المعلوماتية؟

ونلاحظ هنا أن هذا النوع من التحصين لا يتم بين ليلة وضحاها، بل هناك دور تعلبه مجموعة من العوامل البنيوية التنظيمية في المجتمعات لتشكيله وتنميته وتعزيزه. ولكي يكون الحديث أكثر توجيها، سنركز على تشخيص هذه العوامل كما تتجلى في المجتمع الجزائري تحديدا فنتطرق لإشكالية التواصل العلمي كأداة لترقية الثقافة العلمية في مجتمعنا بالعودة للدور البنيوي الذي تلعبه مختلف القطاعات في تشكيله وتعزيزه.

هناك شرخ كبير بين الباحث والصحافة والمجتمع

في البداية، يجب علينا أن نتقبل مقدمتين أساسيتين وهما وجود شرخ كبير بين الباحث والصحافة والمجتمع بصفة عامة في الجزائر؛ والثانية هي أن هذا الشرخ عامل يضاف إلى القضايا التي تهدد مستقبل البلد، وما جائحة كورونا اليوم إلا مثال حي ومباشر على هذا التهديد الطارئ. هذا الاعتراف هو النقطة الأساسية التي علينا أن ننطلق منها نحو إمكانية وضع قضية التواصل العلمي والثقافة العلمية في الموضع الذي يليق بهما داخل المجتمع.

صحيح أن هناك أمثلة ممتازة بيننا اليوم للتواصل العلمي يقوم بها أفراد بعينهم وأخرى تقوم بها مبادرات مستقلة. لكن تنمية الثقافة العلمية عبر التواصل العلمي تحتاج إلى أكثر من مبادرات فردية وجمعوية برغم الدور المهم الذي تعلبه مثل هذه المبادرات. ما نشهده اليوم من تفشي لظاهرة عدم القدرة على التعاطي مع المعلومة الدقيقة من جهة، والترويج للأفكار اللا علمية وللمعلومة الزائفة على منصات التواصل من جهة أخرى، ما هو إلا أعراض لمشاكل بنيوية تنظيمية في ثلاثة قطاعات رئيسية: الأوساط الأكاديمية، المؤسسات الإعلامية، والحكومة. تشخيص إشكالية الثقافة العلمية في مجتمعنا إذن يستلزم النظر في التفاعل بين هذه القطاعات الثلاثة وفحص المكانة والأهمية التي يحظى بها التواصل العلمي في كل قطاع ومدى تفاعل بعضها ببعض لخدمته وترقيته. فلكي يتفشى التواصل العلمي في المجتمع الجزائري – ابتداء من الباحث ثم من خلال الصحافة كجسر تواصلي بينه وبين أطياف المجتمع الذي يستهلك المحتوى المعلوماتي، فيصبح وسيلة لترقية الثقافة العلمية – لا بد من تحول منهجي في الطريقة التي ننظم من خلالها التفاعلات بين تلك القطاعات الثلاثة وبين المجتمع. وهذه بعض السبل التي يمكن من خلالها تحقيق حد أدنى من ذلك:

التوعية العلمية كخراج استراتيجي للجامعات

أولا، يجب أن نجعل التوعية العلمية عبر آليات إقحام الجماهير في المحتوى العلمي جزءا لا يتجزأ من الخراج الاستراتيجي للجامعات والمؤسسات الأكاديمية. وهذا يقتضي أن يقوم الباحثون في الجامعات والمراكز التقنية بعرض أعمالهم بطرق تسهل اقتناءها من طرف الصحافة والمهتمين، وكذا القيام بعمل جواري مباشر مع شرائح المجتمع التي تتأثر مباشرة بنتائجهم البحثية، كتنظيم المعارض والأيام المفتوحة التي تمكن الجمهور من الاطلاع بل والتفاعل مع ما هو معروض، وغير ذلك من أنشطة تبسيط وتعميم العلوم. ثم التوجه إلى مقاربة أكثر منهجية تتمثل في استحداث قسم خاص في كل جامعة يهتم بالتوعية العلمية ويقوم بتدريب الباحثين على التواصل العلمي ومساعدتهم في تنظيم نشاطات لمشاركة الجمهور والتواصل معه وبالتالي تقوم مقام حلقة وصل بينهم وبين الجامعة وبين المجتمع.

تكوين مختصين في الصحافة العلمية يمنع التضليل والدجل

ثانيا، على قطاع الإعلام (وجامعات الإعلام والاتصال) السعي إلى تكوين صحفيين مختصين في الصحافة العلمية متمرسين في أبجديات التواصل العلمي النقدي وأخلاقيات العمل الصحفي الهادف. هذا النوع من التكوين من شأنه أن يجعل الصحافيين قادرين على تغطية الإنتاج العلمي للجامعات (والقطاعات الأخرى كالقطاع الصناعي) وعلى تمحيص مستجدات البحث العلمي لترويج ما يستحق الترويج وإعلام الجمهور عن المواضيع التي تهمهم من خلال طرح جدي ونقدي لتلك المواضيع حتى يصبح الخراج الصحفي فرصة مضاعفة للازدياد من المعرفة ولتدريب الجمهور على سبل التعاطي الصحي والنقدي مع المعلومة، لا وسيلة للتضليل وللترويج للإثارة والزيف والدجل.

ادماج عوامل التأثير ووقعة العلم ضمن معايير تقييم الخطط البحثية

ثالثا، على الهيئات الحكومية، أي في هذه الحالة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومديرية البحث العلمي والتطور التكنولوجي – باعتبار الطبيعة المركزية لسياسات الدولة في هذا القطاع – على هذه الهيئات أن تجعل تنمية وتعزيز التوعية العلمية واحدا من أهدافها الاستراتيجية على مستوى الممارسة، مثلا من خلال تقديم تحفيزات للجامعات والباحثين عبر خطط مناسبة تحث على دمج أنشطة التوعية العلمية للزيادة من تأثير وقعة البحث العلمي على المجتمع.

وكمثال ملموس، أذكر أنه ظهر في العقد الأخير تغير واضح جدا في الطريقة التي يتم من خلالها تقييم طلبات المنح البحثية وتمويل المشاريع في كثير من الدول بحيث تعطى أهمية بالغة لما يعرف بعوامل التأثير أو وقعة العلم على المجتمع، بحيث تشكل هذه العوامل عناصر أساسية من معايير تقييم المشاريع البحثية قبل تمويلها. وهذا ما يفرض على الباحثين التفكير بجدية، منذ بداية التخطيط للأبحاث التي سيقومون بها، في مدى وكيفية تأثير نتائج هذه الأبحاث على المجتمع وخصوصا على القطاعات التي لها علاقة مباشرة بموضوعات الأبحاث تلك، بما في ذلك تسطير الآليات والوسائل التي يمكنهم من خلالها تجسيد وتحقيق التأثير الذي يصبون إليه في المجتمع.

وجود هذا النوع من العوامل الهيكلية، البنيوية والتنظيمية، من شأنه أن يؤدي تلقائيا إلى تحفيز الباحث الجزائري على التواصل العلمي بأكثر فعالية حيث يصبح هذا الأخير جزءا لا يتجزأ من العملية البحثية وامتدادا طبيعيا للقيام بالبحث العلمي، كما يساعد الصحفي المحترف على لعب دور الحلقة التي تربط الخراج الجامعي بالمجتمع. سيصبح الباحث والصحفي الجزائري أكثر فاعلية في هذا المجال، إذن عندما تعترف تلك القطاعات الثلاثة بأهمية التواصل العلمي كأداة لترقية الثقافة العلمية ثم تضمينه هيكليا في ممارساتها اليومية والاستراتيجية. هذا النوع من التفكير في الهيكلة البنيوية والتنظيمية يبدو مفقودا حاليا في البيئة الأكاديمية والإعلامية في الجزائر للأسف.

ينبغي أن يكون التواصل العلمي في قلب استراتيجية المؤسسات

طبعا لا يجب إغفال العوامل الفردية والشخصية، كالشغف بالتواصل العلمي، فهناك من له موهبة وقدرة تقنية على الإبداع في استخدام التقنيات الحديثة للقيام بعملية التواصل العملي. لكن علينا أن نتذكر أن التواصل العلمي الفعّال مهارة تُكتسب وأن القدرة على الاستخدام المبدع لتقنيات التواصل الحديثة من مواقع التواصل والتدوين وما إلى ذلك يعتبر أحد أجزاء الإشكالية فحسب. هناك صورة أكبر يجب علينا الوعي بها واستيعابها تتعين أساسا في قضايا بنيوية تنظيمية ينبغي أن نتناولها بجدية لحل إشكالية الثقافة العلمية وقضية التأثير الإيجابي في المجتمع من قبل الباحثين والعلماء والصحفيين وصناع القرار؛ أي على المستويات الهيكلية للسياسات العلمية التي تنتهجها المؤسسات الأكاديمية والهيئات الإعلامية والحكومية في البلاد والتي ينبغي إعادة صياغتها بحيث تجعل التواصل العلمي في قلب استراتيجياتها وممارساتها، تشجع من خلالها الباحث على أن يجعل التواصل العلمي امتدادا طبيعيا للعملية البحثية وتحث الصحفي على أخلقة العملية الصحفية واحتراف الصحافة العلمية الجدية.

سيؤدي مثل هذا التحول في نظري إلى تغيير في المواقف والذهنيات وفي ثقافة العمل الأكاديمي والصحفي، حيث يمتد خراجهما إلى المجتمع بطريقة عضوية فينعكس ذلك على الأفراد والجماعات بجعلهم أكثر قابلية للتواصل العلمي وأكثر نفورا من التعاطي السطحي والسريع مع المعلومة المروجة.

نحن بحاجة إلى تطعيم المجتمع بالثقافة العلمية

إننا كمجتمع اليوم، بسياساته وجامعاته وإعلامه، نفتقر إلى رؤى بناءة تعطي أهمية معتبرة للتوعية العلمية والتواصل العلمي كوسائل لترقية الثقافة العلمية بل ولا نطرح هذه الإشكالية أصلا بالعمق المفروض.

ما نراه من حلقات التفاهة العلمية عندما نفتح قنواتنا الإعلامية وانعكاسات ذلك على ما يُتداول على منصات التواصل من محتوى يصدمنا بين الحين والآخر بترويج “اختراعات” و”أدوية” و “مخترعين” و “باحثين” لا ينتسبون للعلم وللإبداع والاختراع لا من قريب ولا من بعيد، وما نراه من تفشي للعلم الزائف والدجل المعرفي ليس سوى أعراض لهذا التهميش والافتقار لتسطير رؤى تضع العلم ومن ينتجه ويروج له في جوهرها؛ وفي هذا خطر عظيم يهددنا بما يسببه من تضليل للمجتمع وبما يلحق ذلك من أثر وخيم على نمونا الصحي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

نحن بحاجة إلى تطعيم المجتمع بالثقافة العلمية، وبفقدان هذا التطعيم الاجتماعي، نجد أن القطاعات الأكاديمية والإعلامية والحكومية تساهم بطريقة غير مباشرة في استفحال الجائحة المعلوماتية اليوم، وقد يكون الأوان قد فات بالنسبة للتعامل مع جائحة كورونا، لكن اتخاذ المواقف البنيوية والتنظيمية لتحصين المجتمع على المدى المتوسط والبعيد هو بين أيدينا اليوم في ظروف تفرض علينا واجب التأمل العميق في هذه التحديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Post comment