الجائحة المعلوماتية: تأملات في جوانب مظلمة من تكنولوجيا التواصل-الجزء الثالث: عوامل الاستقواء التقنية المباشرة

الخاصية الثانية: التصميم التفاعلي المعزز للإدمان وللتفكير السريع

حديثنا عن موضع التحرير في حياة المعلومة وتحوله من مرحلة التنقيح إلى مرحلة الترويج والمشاركة، كان حديثا في المستوى الكلي التركيبي لمنصات التواصل. ننتقل الآن إلى بعض الخصائص التصميمية التقنية في مستواها الجزئي فنركز بعض الشيء على أدوات التفاعل المباشرة التي نجدها بين أيدينا كمستخدمين. فبالرغم من تصدر الشركات الكبرى للتواصل (كغوغل وياهو، وفايسبوك، وتويتر وانستاغرام، وغيرهم) لتحمل بعض المسؤولية حول التحسين من طرق التأكد من صحة المعلومات التي تنشر على منصاتهم، إلى أنهم لا يزالون في نظري يغفلون أو يتغافلون عن عامل آخر لا يقل أهمية في الأثر الذي نشاهده اليوم من رواج للمعلومات الزائفة خاصة، وللجائحة المعلوماتية عامة.

يكمن هذا العامل في المبادئ التي ترتكز عليها تصميمات واجهات التفاعل على هذه المنصات.

ما المقصود بمبادئ واجهات التفاعل: ببساطة، إذا شبهنا ما أريد الإشارة إليه هنا بسيارة مثلا، فأنا لا أشير إلى المبادئ الميكانيكية أو الفيزيائية التي يشتغل بها محرك السيارة، والتي من الطبيعي ألا يفقهها أغلب من يقود السيارات، بل إلى أدوات التحكم والتفاعل المباشر مع السيارة من مقود، ومكابح وغيرها، والتي يفقهها كل سائق ضرورة؛ أي ما أراه أنا وأنت على هذه المنصات للتحكم في عملية التفاعل والقيام بها.

هذه المنصات تصمم بطريقة تجعل من الصعب علينا جميعا التقليل من استخدامها إلا إذا أخذنا تدابير صارمة. فهي تستثمر مبادئ وأسس الإدمان وتستخدم منهجيات تغيير السلوك لتصميم واجهات التفاعل. قد يبدو هذا غريبا للبعض، لكنه من المسلمات عند أهل الاختصاص في مجالات الدراسات السلوكية وعلوم النفس والتفاعل بين الإنسان والحاسوب، فهذه الشركات تزيد من ربحها عندما يزيد عدد المستخدمين على منصاتها وتزيد كمية ووتيرة تفاعلهم، مستفيدة بطريقة مباشرة من مدة الانتباه التي نوفرها نحن المستخدمون على تلك المنصات، فانتباهنا هو السلعة المتبادلة على فضاء تكنولوجيا التواصل. ولبلوغ نسبة عالية من التفاعل، نجد أنها تسخر ميزات تصميمية تحفز الجانب الإدماني في النفس البشرية لتزيد من رغبتنا في الرجوع إليها أكثر فأكثر. وهذا له علاقة مباشرة بموضوع تفشي المعلومات – صحيحة كانت أم زائفة – فكلما أقبل الناس على التفاعل بوتيرة مرتفعة، تفاعل أساسه نشر وترويج ومشاركة المعلومة، كلما زادت وفرة المعلومات إلى حد الإفراط والذي هو أساس الجائحة المعلوماتية كما سبق.

ومن بعض الأمثلة عن هذه “الخدع” أو الميزات التصميمية التي تعزز الإدمان، والتي نتعاطاها كل يوم عند التفاعل المستمر عبر منصات التواصل نذكر مثلا ميزة الإشعارات. فالإشعرات تستغل النزعة الترقبية عند الإنسان، ومواضعها وألوانها ووتيرة ظهورها ليس اعتباطيا بل يرتكز على أسس تسخير نظام الدوبامين في الدماغ، أي الناقل العصبي الذي يتوقف عليه نظام المكافأة والتشكل السلوكي للعادات، ومن المعروف أن ترقب المكافأة يكاد يكون له نفس وقع المكافأة من ناحية إفراز الدوبامين في جسم الإنسان [١]. انظر مثلا كيف تستدرجك تلك الاشعارات نحو شاشة حاسوبك كلما لمحت إشعارا جديدا أو سمعت رنته أو اهتزازه وكيف تترقبها عندما تغيب عنك.

ثم هناك ميزة التصفح التمريري (أي استخدام الفأرة أو الأصابع لتحريك عرض الشاشة على الحاسوب أو الهاتف من الأسفل إلى الأعلى ليظهر لك محتوى جديد، على جدار الفايسبوك مثلا) فتطبع في نفوسنا هذه الحركة المستمرة انطباعا يجعلنا نظن أننا أمام محتوى لا ينتهي، فتتحرك فينا بذلك غريزة حب الاستكشاف والترقب كذلك.

كل من هاتين الميزتين، الإشعارات والتصحف التمريري، مصمم على مبدأ “عدم القدرة على التنبؤ”، وهو مبدأ يرتكز على إثارة الفضول عند الإنسان وتنمية الشعور بالحاجة إلى اكتشاف المزيد، وهو نفس المبدأ الذي صممت من خلاله ماكينات القمار مثلا، والتقارب بين هذه وتلك يصل أحيانا إلى حد استخدام نفس الاستعارات التفاعلية، مثلا عند سحب الشاشة نحو لأسفل قليلا ثم اطلاقها لتحديث المحتوى.

من السهل أن نتخيل طريقة أخرى لتصميم هذه الميزات لا تعتمد على مبدأ عدم القدرة على التنبؤ، بقلب هذا المبدأ رأسا على عقب، مثلا بتصميم إشعارات يكمن التنبؤ بها والذي من شأنه أن يقلل من النزعة الترقبية الإدمانية كما بينته بعض الدراسات حول هذه التصاميم [٢]. من هنا يتبين لنا أن الخيارات التصميمية التي تتبعها هذه الشركات ليست اعتباطية بل خيارات دقيقة تلخص لنا توجها مقصودا نحو تصميم واجهات للتفاعل بطريقة تزيد من رغبتنا في التفاعل المستمر لاستنزاف انتباه المستخدمين وبالتالي زيادة المداخيل الإعلانية.

من جهة أخرى، أحد أهم الخصائص التصميمية المشتركة بين جل تكنولوجيا التواصل المعلوماتية اليوم هو تزايد وتيرة التوجه نحو “التخصيص الشخصي” لتجربة المستخدم، سواء من الجانب الشكلي لواجهات التفاعل أو، بأثر أكثر أهمية، من جانب المحتوى الذي نستهلكه. يهدف التخصيص الشخصي بدوره إلى زيادة مدة التفاعل على هذه المنصات وذلك باستقراء اهتمامات المستخدمين وميولهم، عادة عبر خوارزميات التعلم الآلي، ثم استخدام تلك المعلومات لطبع تجربتهم على الإنترنت. وبينما يترك هذا التخصيص في المستخدمين انطباعا قد يكون حسنا، فقد يجدون أنفسهم أمام محتوى يوافق هواهم إلى حد ما، فهو من جهة أخرى يضمن للشركات فعالية أكبر عند القيام بعمليات التسويق المستهدِف، وبالتالي يزيد دخلها الذي يأتي أساسا من الإعلانات التي نراها على منصاتها.

المثير في الأمر هو أن هذا التوجه نحو التخصيص المفرط قد أدى بدوره إلى ظهور ما يعرف بفقاعات التصفية [٣]، وهي استعارة تستخدم لوصف المحتوى الذي يقابل كل فرد منا على الإنترنت عامة وعلى منصات التواصل خاصة؛ فقد يخيل لنا ونحن نتصفح نتائج محركات البحث أو منصات التواصل أن العالم الرقمي كله بين أيدينا، نصول ونجول فيه كيفما نشاء وأنه بوسعنا أن نصل لما نشاء من معلومة وأن نؤثر على من نشاء من الأفراد والمجموعات، لكن ما نراه عادة نراه لأنه قد تم تصفيته من طرف خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتي تقرر أي محتوى يقدم لنا حسب تأويلها لاهتماماتنا المبنية بدورها على تتبعها لطريقة تفاعلنا مع محتوى آخر (بضغط زر الإعجاب على الفايسبوك، أو زيارة مواقع بعينه من بين قائمة نتائج البحث على غوغل مثلا).

مجموع هذه “الفقاعات” التي تنتج عن تصفية المحتوى يؤدي بدوره إلى خلق جيوب من المتفاعلين على منصات التواصل تلعب دور حاجز عازل بين مجموعات الأفراد الذين ليدهم اهتمامات وتوجهات وآراء مختلفة، فلا يتخالط هؤلاء مع هؤلاء ولا يتناقشون ولا يتفاعلون إلا قليلا، وهو أثر يضاعفه ما يعرف “بغرف الصدى” أو “الصدى التفاعلي” (كجمع مجموعة كبيرة من الاعجابات من أشخاص يشاطرونك التوجه والرأي) والذي يعزز انطباع الإنسان بأنه يجد القبول بين أترابه ومتابعيه فتزيد الفقاعة الرقمية التي يعيش داخلها صلابة وعزلة.

هذه بعض الأمثلة عن تصاميم تقنية ذات أثر مباشر في طريقة تفاعلنا على منصات التواصل، وما ينتج عنه هو تغير في طريقة خلق المحتوى والتعاطي معه، فنجد مثلا تفشي النزعة نحو المعلومة السريعة – على شاكلة الأكلة السريعة – والتي تحول دون التأمل النقدي المتأني، خصوصا عندما نربط هذا بتقلص المدى الزماني والمكاني للمعلومة وفي أثر ذلك على النقاش والنقد والتمحيص الذي يثار في فلكها (كما بينا في الجزء السابق). كما نجد أن طبيعة هذا التعاطي السريع مع المعلومة يؤثر على الأفراد المنتجين للمحتوى، فنرى تفشيا في ظاهرة تقليص حجم المنشورات والفيديوهات حتى يضمن تعاط أكبر عدد من المتتبعين معها، والذين تتقلص فيهم القدرة أو الاستعداد لتعاطي الصيغ الكلية للمعلومة وتتضاعف بينهم النزعة نحو استحسان الجرع القصيرة والسريعة للمعلومة، في شكلها الذري المبتور صلة مع بقية سياقاتها.

هناك إذن إعادة صياغة لسلوك الفرد والجماعات تنعكس على طبيعة تفاعلهم مع المعلومة ومع بعضهم بعضا على منصات التواصل، قد يخلق فيهم نوعا من القابلية للسطحية بل وتزايد في طلبها والإدمان عليها كذلك.

جوهر الإشكال يكمن في أن مجموع هذه الميزات التفاعلية والخصائص التصميمية تؤدي إلى إثارة ما يعرف بالتفكير السريع في بنية العقل البشري [٤] كطريقة سائدة للتفاعل مع المعلومة على منصات التواصل؛ والتفكير السريع، كما وصفه الاقتصادي وعالم النفس دانيال كانيمان، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، هو نمط تفكير غريزي وارتكاسي أساسا يسوده التحيز والعاطفة عند التعامل مع المعلومة، وهو تفكير غالبا ما يتجنب المنطق ويرتكب الأخطاء لأن الهدف منه اتخاذ قرارات سريعة بدل التأني والتعمق في التحليل والتأمل.

مجمل هذه العوامل والخاصيات إذن؛ تغير موضع التحرير وما ينجر عليه من تقليص للمدى الزماني والمكاني للمعلومة ولطبيعة النقاش الذي يثار حولها؛ تصاميم تعزز الإدمان والتعاطي السريع مع المعلومة، مضاعفة بظاهرتي ” فقاعات التصفية” و” الصدى التفاعلي”؛ ثم تغول دور شركات التكنولوجيا في تحديد مراتع السيطرة والنفوذ حول السرديات المتحكمة في الرأي؛ مجمل ذلك كله يمكن اعتباره من العناصر الأساسية التي تغذي الجائحة المعلوماتية وتقويها، فنجد أنفسنا وجها لوجه أمام عملية متكاملة للتأسيس للسطحية من شأنها أن تؤثر تأثيرا مباشرا – قد يكون سلبيا جدا – على الجائحة البيولوجية التي ترافقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Post comment