فتحت جريدة الخبر اليوم فلفت انتباهي عنوان أحد المقالات المنشورة: “إجراءات تحفيزية لمنع هجرة الأدمغة نحو الجامعات الأوروبية والأمريكية”، فقلت في نفسي: ممتاز، لن يكون هذا إلا خبرا مفرحا، سأواصل القراءة، ففعلت… وإذا بي أصل مباشرة إلى عبارة: حاسوب نقال مزود بالأنترنت لكل مسجل في الدكتوراه بداية من الدخول الجامعي… ويا للخيبة…

قل لي بربك من أين يبدأ المرء في التعامل مع خبر كهذا؟ أعند التهكم المتضمن في التركيز على أن هذه الحواسيب ستكون “مزودة” بالأنترنت؟ فكرة تصيب بالهذيان في عالم أصبح فيه التفاعل والتواصل الرقمي من أساسيات الحياة، وملكة يمتلكها الرضع من جيل الرقمنة، وسلاح يستله الثائرون في مقوامة طغيان وفساد الأنظمة اليوم؟ أو ربما عند ذلك التلميح السخيف الذي يختزل أزمات قطاع حساس كقطاع التعليم العالي في توفير آلة؟

فلنقف عند قضية اختزال حل الأزمات في توفير المادة\الشيء، لعلها أكثر إثارة للاهتمام لأنها تصدق مقولة مالك بن نبي حول عوامل اندثار تحضر المجتمعات المسلمة بفقدانها للتوازن بين الفكرة والشيء. فبن نبي شخص لنا نوعا من الطغيان يستولي تدريجيا على الفضاء الثقافي داخل المجتمع فيغير سلم معايير قيمه فتعلو قيم المادة المكدسة على عرش معايير النجاح والتقدم وتنخفض مكانة الفكرة ومن ينتجها. يقول بن النبي في كتابه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامى: “[..] عندما يتمركز العالم الثقافي حول الأشياء، يكون الشيء في قمة سلم القيم وتتحول الأحكام النوعية خلسة إلى أحكام كمية دون أن يشك مؤلفوها في الانزلاق إلى الشيئية: فيقيمون كل شيء على مقياس الأشياء” (صفحة 90، ترجمتي).

تنتقل إذن قوة الأفكار وفاعلياتها إلى هامش المجتمع حسب هذه المعادلة الحضارية، وتختزل حلول المشاكل وتوصيف التحديات التي تواجهه في شكلها المادي فحسب، يواصل بن نبي: “إن المجتمعات المتخلفة لا تتسم بنقص قاتل في الوسائل المادية (الأشياء) بل تفتقر للأفكار ويتجلى ذلك في الطريقة التي تستخدم بها الموارد المتاحة لها وفي عدم قدرتها على استحداث وسائل جديدة ثم في طريقة طرحها لاشكالاتها ابتداء أو في التخلي عن السؤال تماما عند معالجة تلك الإشكاليات” (ص52، ترجمتي) .

هذه “المقاربة الحضارية” في التعاطي مع الأزمات ليست غريبة عن النهج الذي ينتهجه النظام الجزائري في تسيير شؤون المجتمع ورعاية أفراده، تسيير يلخصه التشخيص الشعبي ب”سياسة الترقيع” سياسة تقدم الأشياء عن الأفكار، فصنع النظام لنفسه اسما لامعا في انتهاج سبل الترقيع الشيئية لتحقيق إصلاحاته السياسية والاجتماعية. نجد ذلك جليا مثلا في طريقة تعامله مع مظاهرات جانفي 2011 أين بادر لخفض رسوم الأغذية الأساسية، ونجده جليا كذلك في تعامله مع الإضرابات والتنديدات التي أصبحت لاتعد ولا تحصى اليوم والتي تلت تلك المظاهرات، برفع أجور العمال في مختلف القاطاعات.

أن نقدم حاسوبا شخصيا لكل طالب دكتوراه هو شيء محمود في حد ذاته، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في اختزال مجموع التحديات التي يواجهها الطالب والأستاذ داخل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في مكسب مادي كهذا، ثم في التظاهر أن هذا المكسب من شأنه أن يساهم في حل معضلات كبرى كهجرة الأدمغة، والظلم الاجتماعي، والفساد، وتدهور المنظومة التربوية وغيرها من المعضلات التي تواجهنا كمجتمع.

بالمناسبة، كنت ضمن الفريق الذي نظم الجامعة الصيفية الأولى من نوعها في جامعة تلمسان في صائفة هذا العام أين تقدم مدير المديرية العامة للبحث العلمي والتطور التكنولوجي الحاضرين ليعلن عن هذا الإنجاز العظيم في حفل افتتاح الجامعة، وقد هلل ال250 طالب دكتوراه الذي شاركوا في الجامعة وعلت أصواتهم فرحا بالخبر. المفارقة أن الأستاذ أوراق كان قد أعلن عن خبر آخر كذلك وهو توفير اشتراكات لكل الجامعات لمدة خمسة سنوات تسمح للطلبة والأساتذة بالولوج إلى المجلات العلمية المتوفرة على الإنترنت، لكن بدا لي وأنا في قاعة الحفل أن تهليل الطلبة والحاضرين كان أقل صخبا بكثير من تهليلهم بخبر الحاسوب النقال المزود بالإنترنت، أحسست ببعض الأسف لارتفاع صخب الحاسوب وانخفات صوت المجلات العلمية، لكنني لم ألم الطلبة بقدر ما تحسرت على تمظهر آخر لبيئة تقدس الأشياء على حساب الأفكار…

المثير للاهتمام هنا هو أن صحـفيي جريدة الخبر لم يعيروا أدنى اهتمام للخبر الثاني هذا فهم لم يذكروه في تقريرهم، أو لعلهم، بوعي أو بلا وعي، آثروا خبر الشيء عن خبر الفكرة لأنه سيحضى برواج أكبر وبمبيعات أكثر…لا أدري، لكنني أبقى أتسائل: الخبر في خدمة من تحديدا، ومن المستهدف من هذه الأخبار أصلا؟ وعي ذالك الشاب المهموم الذي يبحث عن الهرب نحو الضفة الأخرى من البحر في أول فرصة؟ أم العقل الشعبوي الذي يقرأ وعقله كله استعداد لتمجيد أدنى “إنجاز عظيم”؟

لا أدري، لكن مما لاشك فيه أن منظومة تقديس الأشياء على حساب الأفكار تتعدى قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، لتشمل الصحافة عاكسة سريانها على كل جوانب حياتنا اليوم، أننا نعيش حقبة طغيان الأشياء وطغيان المادة التي تعفن سلم قيمنا ومعايير النجاح فيه، فنقيس الإنجاز من خلال كمية المواد التي نكدسها – بغض النظر عن فاعلية تلك المواد وفوائدها – ونروج لأخبار شيئية تافهة بهتافات تزيدنا تنويما واجترارا لسياسات الترقيع. خلاصة القول هي أن الاصلاحات التي نحن بحاجة إليها في قطاع التعليم العالي والبحث العلمي، وغيره، اصلاحيات جوهرية كان لزاما أن تضرب في لب المنظومات حتى تتجاوز توفير الأشياء وتكديسها، مهما رقمنة، وقد نفد وقت هؤلاء السياسيين ليبدوا لنا قدرتهم على تحديد الأولويات بجدية والتصدي للتحديات الحقيقية، وأن ساعة التغيير قد دقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Post comment